الشيخ السبحاني

48

رسائل ومقالات

العمل بما قُدّر وقضى ولا يتمكّن من تغييره وتبديله ، وبالتالي لا خيرة للإنسان في حياته فيما يختار أو يترك مع أنّه سبحانه يحكم على خلافه ويقول : « وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ * يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » . « 1 » وهل يمحو إلّا ما أثبتَ ؟ ! فلو كان قد فرغ من الأمر فما معنى محو ما أثبته وقدّره ؟ كيف واللَّه سبحانه مبسوط اليد لا يكبّله تقديره وقضاؤه ، فله السيادة على القضاء والقدر دونهما عليه ؟ ! وهذا هو الثعلبي ينقل عن مجاهد قال : قالت قريش : « حينما أنزل « ما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ » * ما لنا نراك يا محمد تملك من شيء وقد فرغ من أمره ، فأنزلت هذه الآية تخويفاً ووعداً لهم ، أي أن يشأ أحدثها من أمر - إلى أن قال : - ويُحدث في كلّ رمضان في ليلة القدر ويمحو ويُثبت ما يشاء من أرزاق الناس ومسائلهم وما يؤتيهم ويُنسأهم له . « 2 » وقد تطرق عن طريق تلامذة الأحبار والرهبان انّه سبحانه يمحو ما يشاء ويثبت إلّا الحياة والموت والشقاء والسعادة فانّهما لا يتغيران ، ونقله السيوطي عن غير واحد من الصحابة والتابعين الذين كانوا يحسنون الظن باحبار اليهود ورهبان النصارى . أخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله تعالى : « يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ . . . » قال : إلّا الحياة والموت ، والشقاء والسعادة فانّهما لا يتغيّران . « 3 »

--> ( 1 ) . الرعد : 38 - 39 . ( 2 ) . تفسير الثعلبي ، المسمّى بالكشف والبيان : 5 / 298 ؛ الدر المنثور : 4 / 659 واللفظ للثاني . ( 3 ) . الدرّ المنثور : 4 / 663 ، 661 ، 662 .